السيد عباس علي الموسوي
314
شرح نهج البلاغة
أدوسها الآن ، فكرت كم وكم من الأجيال قد مروا ، إنهم عبروها وتركوها ، كأن استقرارهم عليها لا يتجاوز طرفة عين من عمر الزمن ، سفكوا الدماء عليها ، لقد تمردوا على طاعة اللّه ، وادعى بعضهم الربوبية ، تجبروا ، تكبروا ، تطاولوا ، واعتدوا . مرت على أرضنا أقوام من البشر ، قوم نوح ولوط وشعيب وإبراهيم وموسى وعيسى . لقد مر عليها أقوام طغوا وبغوا فكانت لهم وقائع فأخذهم اللّه أخذ عزيز مقتدر . كان يمر في مخيلتي ويجول في ذهني شريط طويل يمتد من آدم أبي البشر إلى يومنا هذا . شريط مثقل بالمعاصي والآثام والانحراف والضلال ، شريط مملوء بالمحن والكوارث والمصائب ، سجل طافح بالجرائم والطغيان . كانت هذه كلها تمر في ذهني فأزهد . . . وأنبذ الحياة وانتبذ جانبا مفكرا في حالي ومالي وكيف أني سأتبع تلك القوافل التي تقدمتني ممن عاشوا قبلي على ثرى هذه الأرض وفوق هضابها . كنت أفكر في الطغاة والمتمردين على اللّه وكيف كانت عاقبتهم من اللّه ، كيف ضربهم وقضى عليهم . كيف انتهى أمرهم إلى شر انتهاء . . . كنت أحتقر الدنيا ، واستصغر نفسي فيها ، كنت أقول : إنني حبة رمل في صحراء واسعة شاسعة ، دودة صغيرة تدب دون أن يحس بها أحد من الناس ، كنت أنظر إلى أهل الدنيا وإلى سعيهم فيها ، وأنظر إلى مصيرهم الذي ينتظرهم ، كنت أتخيل أن تلك الوجوه المنعمة والتي يخاف عليها أصحابها من نسمة تحمل بعض الغبار ، كيف يأكلها الدود وتطرح على التراب كيف يفتتها الزمن وتحللها الأيام . ولكن بعد كل هذا التطواف السريع في الدنيا من هذه الجهة كانت تخطر ببالي صور الأنبياء الذين شرفوا الحياة وأكسبوها معنى جديدا ونكهة جديدة . كنت أتصور ذلك الرعيل المبارك من رسل اللّه . . . وأتصور جهادهم الميمون ودعوتهم الصادقة المنقذة . . . كنت أتصور الصالحين والمتقين الذين عاشوا على هذه الأرض وعمروها بالتقوى . . . والإيمان ، والحب ، والإخلاص ، الذين زرعوا على دروبها الوفاء . . . وبنوا في مرابعها الصدق والطهارة . . . كنت أتصور مع الأنبياء وعلى رأسهم سيدنا العظيم رسول اللّه محمد ، كنت أقرأ في تعاليمهم . . . وأسلك دروبهم فأحلّق في عالم علوي وارتفع إلى الشاهقات من القمم ، كنت أحس أنني موصول بهم ، قريب منهم ، بل معهم ، وبخدمتهم ، كنت أشعر بالكبرياء تجذبني إلى رحابهم . فأحلم بالسعادة وأتذوق نعيمها وأرتشف من كأسها . كنت أشعر وأنا مع الأنبياء أنني كبير ويمتد عمري من أول يوم خطت قدم الأنبياء على هذه الأرض وسأبقى طالما بقي لهم أثر عليها . وكنت أشعر أنني على خط الأنبياء فتكبر نفسي وترفرف روحي في سماء المجد والجهاد . وأقرر الاستمرار على خطاهم والدفاع عن ميراثهم والقتال من أجل دعوتهم . كنت أشعر بنشوة